Saturday, 14 December 2013

العقوبات الإسلامية ليست بنكايةعلى العباد بل في باطنهارحمة فائقة / بقلم إنعام الحق

بسم الله الرحمن الرحيم
الواجب الثالث : إن أحكام العقوبات في الشريعة الإسلامية قاسية شديدة  لا تتناسب بالحياة المعاصرة ولا يمكن تطبيقها.
سأتناول هذه الشبهة بالخطوات التالية :
1.    تعريف العقوبة في الشريعة الإسلامية عند القدماء والمعاصرين.
2.    أقسام العقوبة في شريعة الإسلام
3.    رأي المستشرقين والمستغربين تجاه العقوبات الإسلامية مع تفنيد أرائهم الواهية .
4.    رأي الفقهاء المسلمين تجاه العقوبات الإسلامية
5.    الخاتمة وهي رأي الراجح عندي بذكر الأدلة والبراهين .

أولا : تعريف العقوبة في الشريعة الإسلامية والقانون
أ – مفهوم العقوبة لغة : هي من العقاب، والمعاقبة  أن يجزى الناس بفعل سؤهم  والاسم من هذه الكلمة العقوبة ويقال : عاقبه بذنبه معاقبة وعقابا أي أخذه بذنبه وكذلك عاقبت الرجل، إذا أخذته بذنب ومن هو التعقيب[1] أي النتائج و الأثار التي تترتب بناء لماسبق.
ب – والعقوبة اصطلاحا : عند السادة الحنفية هي الحد في ذاته، والحد هو العقوبة المقدرة من الله تعالى حقا لله تعالى . وعند السادة الشافعية، أنها زواجروضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به[2] . ويقول الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية ، العقوبة :  تكون على فعل محرم أو ترك واجب أو ترك سنة أو فعل مكروه ، وعند المحدثين كالشيخ عبد القادر العودة : هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع
ج-  مناقشة حول التعاريف التي ذكرت سابقا:
لو دققنا النظر في تعريف العقوبة عند السادة الحنفية لايدخل فيها القصاص باعتبار قولهم بأن العقوبة  حقا لله تعالى  أي العقوبة هي الحد وخير دليل في هذه المناسبة فول النبي صلى الله ناويا لأسامة بن زيد، حب الرسول -صلى الله عليه – في قضية المرأة المخزومية: أتشفع في حد من حدود الله تعالى ، أما القصاص فيه حق العبد  أغلب من حق الله . أما التعاريف الأخرى فهي كلها تدور في فلك واحد وهو أن العقوبة جزاء من خالق الناس وضعت لمن ينتهك حقا من حقوق العباد وحقوق المعبود والهدف الأساسي منها إصلاح البشر، فإذا صلح البشر صلح المجتمع. ويستنتج من الكلام السابق كون العقوبة جزاء من خالق العباد لما اقترفوا من المعاصي، أنها جزاء عادل، بمجرد كونه من الله عزّوجلّ لأنه خالق البشر فهو أعلم وأدرى بما يتناسب ويلائم بطبيعة البشر في كل آن ومكان.
ثانيا : أقسام العقوبة بنظرة عامة .
العقوبات في الشريعة الإسلامية: ثلاثة أقسام
1.    القصاص
2.    الحدود
3.    التعزير
وجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة ، العقوبة إما أن تكون عقوبة قصاص، أو أن تكون عقوبة محددة ، وهي الحدود وهي غير قابلة للزيادة والنقصان. و إما أن تكون عقوبة غير محددة ، وفي هذه العقوبات الأمر في تحديد العقوبة يرجع إلى أولي الأمر وهو الذي يقررحسب فهم واقع الجاني المجرم.
 لو لاحظنا من جهة التقدير :
 فالعقوبة تنقسم إلى قسمين.
الأول : العقوبة مقدرة مثل ، سائر الحدود في الشريعة الإسلامية.
الثاني : العقوبة غير مقدرة مثل، سائر العقوية التعزيرة، كما أفاد الشيخ البوطي في كتابه النفيس العقوبة الإسلامية بتصريف يسير من ص 12 - 14) فهذا التقسيم هو الأشهر عند الجمهور
التنبيه : إن العقوبات الدنيوية مكفرة للذنوب ، كما جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم -  الحد محاء للذنوب، أو كما قال عليه الصلاة والسلام وهو قول جمهور الفقهاء، أما عند الأحناف بشرط التوبة الصادقة والاستغفار ، ومن المعقول  أن الله لا يؤاخذ  المجرم إلا مرة واحدة.
نقد القانون الوضعي : إن القانون الوضعي في العقوبات قاصرة في الدنيا ولا يمد القانون الوضعي النظر إلى الآخرة بما فيها من العذاب والشدائد وكذلك لا يخوف الإنسان ،الخوف الذي يمنعهم عن اقتراف الجرائم  ومن هذه الزاوية يتهاون الناس في القانون الوضعي ‘ بيما القانون الإسلامي لا يتغافل أبدا من الآخرة حيث في الإسلام أن الدنيا دار الابتلاء من المحد إلى اللحد  و الآخرة دار النجاة والثواب، هذا المفهوم يتبادر في ذهننا لو تأملنا في تعاريف العقوبة في الشريعة الإسلامية وعذاب الأخرة وهو الأصل في عقيد الشريعة الإسلامية وهو الأشد من حيث عقوبة الدنيا.

ثالثا : رأي المسشرقين تجاه العقوبات في الشريعة الإسلامية( يسود فيها مظهران)
المظهر الأول : الحدود في الشريعة الإسلامية تتسم بالثبات والاستقرار، فقد مضت أربعة عشر قرنا ولم تتطور ولم تتغير، والنفس البشرية دائما تعاني من عقيدة ضد القديم ، وهي ترغب دائما بكل جديد وتتشوق إليه. وهذا المظهر هو من أهم أسباب رفض من يرفضون تطبيق الحدود الشرعية .(العقوبات الإسلامية للبوطي 16 – 20 بتصريف)
إن أسطورة القديم والجديد يتشكل المحورالأول للمشكلات المتعلقة بحياتنا الأخلاقية والشريعة العامة، وإنه ليشتد الأسف عندما نعلم أنه محور نفسي مجرد، لا شأن له بحكم العقل وتحليله إطلاقا وعلى موجب هذا الكلام يجبرنا أن نقول ، نحن نقبل ونرفض من القيم الأخلاقية والتشريعات بمقتضى إيحاءات نفسية لا بموجب أحكام عقلية . ويضرب به مثال عربي شديد : انت تئق وأنا مئق فكيف نتفق .أي ( أنت في وادي وأنا في وادي)
وبالإضافة إنهم  يشمئزون نفسيا من أن تعود اللوحة القديمة ذاتها.ويتسائل هؤلاء بعد مضي مدة مديدة ما تربو قروناعديدة كيف لم  يحدث التغيير في التشريعات التي لاتستجيب ولا تنسجم بطبيعة البشر مثل الجلد والدم، والقطع حيث الزاني البكر يجلد، والزاني المحصن يرجم ، والسارق تقطع يده، والشارب يجلد!!؟
وبأرائهم هم يظنون أنهم أبطال في حماية الإنسان وأعراضهم وهم الذين ينقذون البشرية من ورطة الظلم والبطش والأخذ ويبعثون في قلوب الناس الراحة والسعادة والأمن والاستقرار في أوضاع المجتمع، بئس ما يظنون!!؟ وليس الجرم فيما يدعون إليه . بل الجرم أنهم لم يتعمقوا الموضوع قراءة متأنية ودراسة مستفيدة  بينما الإسلام أقام الجزاء العادل بين الناس فيما لا ينتهك حرمات الله والإنسان في العقوبات الإسلامية.
المظهر الثاني : ما تتسم العقوبات الإسلامية عند سواد كبير من الناس الشدة والقسوة التي تبعث على الإشمئزاز في النفوس الإنسانية، يقولون : الحكم بقطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن أو جلد الزاني البكر ينطوي على قسوة وشدة ترفضها إنسانية القرن العشرين! وذلك لأن النظرة الإنسانية الحديثة تعد المجتمع مشتركا لسبب أو لآخر مع المجرم فيما أقدم عليه المجرم فكان من العدالة أن يتقاسم معه المسؤولية.

الردود على ما سبق :
في المظهر الأول ، ومن الواجب علينا أن ننقاش ماهو المصدر الذي بعث في نوفوسهم هذه الفكرة السيئة والحق لنا أن نقول في هذا المنطلق، أن أرائهم لا تقوم على ساقيها لوتمعنا النظر ودققنا الأمر يظهر عندنا ليس هي إلا الوهم والشك واتباع الهوى، وذلك فرارا الإنسان من القديم وحنينه إلى الجديد ليس إلا أثرا من آثار الملل في النفس البشرية
نقول : كيف يقول هؤلاء الوشاة أن نظم العقوبة الإسلامية لا تنسجم ولا تبنطبق بطيعية الإنسانية لقرن العشرين لكونها قديمة، لئن كانت النفس البشرية تخيل إلى صاحبها أن القديم قد زال نفعه وجنيت منه ثماره وعصيره ودمه، فإن العقل البشري يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه و آثاره. ورب جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان، ورب قديم شهدت الدنيا كلها أنه كان ولا يزال ينبوع سعادة وخير للإنسان.
ونقول كذلك : لفقهاء العصرنة، أن مقومات الحياة في هذه الدنيا لا تزال تنبع من معينها القديمة مثل : شمس ماء وأرض وهواء وزرع وضرع منذ أعتق العصور إلى  اليوم لم يختلف شيئ من ذلك فهل قاطعت وتركت هذه الفئة التي تشمئز من القديم و تدعي التجديد في العقوبات الإسلامية .
ونستنتج فيما سبق هناك نظم كونية (أشياء ثابة ومبادئ محددة )ليس في وسع الإنسان التغيير فيها ولا يملك زمامها مثل الشمس والماء والهواء من مقومات الحياة للناس في هذا الوجود، كذلك العقوبات الإسلامية ثابة لا تتبدل من عصر إلى آخر لأن الشريعة الإسلامية عمدت إلى الجرائم التي لا تتبدل و لاتتغير في كل عصر ومكان والعقل المنطفي يقول مادام بناء العقوبات الإسلامية على الجرائم الثابتة، فكلما توجد هذه الجريمة يستحق  المجرم العقوبة المخصوصة لها ونفيها بنفيها(أي لو لا توجد الجريمة ؛ لا يستحق العقوبة بداهة تفهم) علما القيم الأخلاقية ثابتة لا تتبدل من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان، لو  صدّقت هذه المقولة لوجب عليك أن تفهم، بأن الزنا والسرقة والحرابة والبغي وغيرها ماكانت يوما غير القيم المذمومة  من عصر دون عصر ومن مكان دون مكان، ومن الوجوب علينا أن نطمس هذه الجرثومة من مجتمعنا وإقلاعها وإلا ستنتشرفي المجتمع ومن ثم تضيع الإنسانية روحها الذكية وكرامتها الأصلية.
لو يقول هؤلاء الغوغاء : طيب لماذا اخترتم هذه العقوبات بالذات على رغم هناك وسائل أخرى ؟
نقول في هذا الصدد: ما اخترنا هذه المبادئ والنظم بالهوى رغبة فيها ولهفة كما تلهف الأم إلى ولدها كما يظنون،  بل رب العباد الذي أعلم و أحكم وأرحم على عباده هو الذي اختار لما فيها من المقاصد والحكم، اطلع العلماء على بعض منها ولكن كليا لا يعلمها إلا الشارع وهوالله ونغوص فيها إنشاء الله. في رأي الفقهاء المسلمين تجاه العقوبات.
أما المظهر الثاني وهو أن العقوبات الإسلامية تتسم بالشدة والقسوة ولا ترحم على الناس التي لم تعد تتناسب عقلية هذا العصر.
إجابة على هذه الإشكالية نقول، من المفضل أن لا توجد اية عقوبات في المجتمع وهذا هو الحقيقة و أن يكون كل الناس أحرارا في كل ما يفعلون ويتركون، ولكن طبيعة النظام الاجتماعي اجبرت لوجود مثل هذه العقوبات، وتفاوت الناس في تقديرهم لمقتضيات هذا النظام أوجب نوعا من الرقابة، واقتضى وضع مؤيدات جزائية تحذر وتردع، ولا ردع ولا تحذير بدون قسوة و إيلام.
أما تحديد هذه العقوبات، وذلك نظرت الشريعة الإسلامية، إلى الجنائيات التي شرعت في حقها الحدود، على أنها أمهات المفاسد التي من شأنها أن تقضي على جوهر المصالح الخمس التي يدور عليها سائر ما قد شرع الله لعباده من الأحكام.
مثلا : الأول : الزنى،وبها تختلط الأنساب وتدمر النسل تدميرا جوهريا مباشرا
الثاني : السرقة، اليد تذوق طعم السرقة ، وجرثومة فتاكة مدمرة المال. وغيرها من الجرائم التي حددت لها الشريعة الإسلامية عقوبات ما حددتها تفاهتا واعتباطا بل لها رابطة وثيقة مع الجرائم .
وكذلك إن إدعاء القسوة والشدة في حدود الشريعة الإسلامية، مظهر من مظاهر السطحية في فهمها، هم يرون إلى هذه العقوبات بنافذة الرحمة والرأفة ، ولا يخطر ببالهم، إنهم ( أي المجرمون) حقا من قبل اقترفوا من الجرائم ولماذا  تغمضون أعينكم عن المعتدين و أسرهم،وبالعكس لو يكون المقتول أو المعتدى علي من أسرة هؤلاء الذين يصرخون بحقوق الإنسان وأن النفس كريمة عزيزة ليسارعون في القتل أوالاعتداء على المعتدين ليس فقط على المعتدي بل على أعضاء أسرتهم جميعا. وما وراء دعوة القسوة والشدة إلا أمانيهم الباطلة وهي البغض والعناد على قانون النظام الإسلامي بعد أن ارتئوا عن قوانينه ومبادئيه، وامتصوا عصيرها يجحدون بنظام الإسلام ومبادئيه.
أما رأي الفقهاء المسلمين تجاه العقوبات الإسلامية :
 مقولة  شهيرة  للشهيد عبد القادر عوده -رحمه الله تعالى- عن هذا الموقف العدائي من التشريع الجنائي بقوله"أما القسم الجنائي فهو في عقيدة جمهور رجال القانون لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعيّة. وهي عقيدة خاطئة مضللة"  لأنها مبنيّة على جهل مطبق بنظام العقوبات في شريعة الإسلاميّة، والغاية من إيقاعها على الجناة المعتدين على حدود الله، والمحدِثِين بالناس ضرراً، وفساداً لا تستأصل شأفته إلا بإيقاع العقوبات الشرعيّة كما حدّدها الشارع على كلّ معتد أثيم.
نستطيع نقول أن الرسالة المحمدية رسالة رحمة ورأفة وليست رسالة الشدة والقسوة والإشمئزاز، ومن فهمها عكسها فلا يلومنّ إلا على نفسها لأن الأمر يرجع إليه وهو عدم الفهم والتمكن من الشريعة الإسلامية، كما قال الله تعالى : (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) لو قرأ أحد النصوص بتدبر وتمعن التي تؤيد للعقوبات على المجرمين فلا يرى الباصر الباحث فيها ما أراد الله بها إلا المصلحة على العباد والخير فيهم، إن الله لايحتاج إلينا بل نحن محتاجون إليه وشرع لنا هذه النظم لصالحنا نحن.
أنّ العقوبة ليست بنكاية، بل هي رحمة بالجاني خاصّة، وبالناس عامّة، "فينبغي أنْ يعرف أنّ إقامة الحدّ رحمة من الله بعباده" . وعليه، فقد اعتبر العلامة ابن عاشور أنّ "انتفاء النكاية عن التشريع هو من خصائص شريعة الإسلام" . "ولذلك لم يجز أن تكون الزواجرُ، والعقوباتُ، والحدودُ إلا إصلاحاً لحال الناس بما هو اللاَّزم في نفعهم دون ما دونه، ودون ما فوقه، لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللاَّزم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية دون مجرّد الإصلاح"[3]
خلاصة الكلام حول هذه القضية : إن الإسلام لا ينظر إلى العقوبات جزافا ولا يعاقب المجرمين بلا حساب وله في هذا الصدد نظرة كلية شاملة تنفرد عن كل نظام الأرض و قوانينها وينظر إلى الفرد الذي اقترف فيها وينظر إلى المجتمع الذي وقعت فيه هذه الجريمة بعد مراعاة كلا طرفين، تقر الشريعة الإسلامية الجزاء العادل، وخير دليل عليه عام الرماد في عصر عمر رضي الله عنه حيث منع حد السرقة، بانتشار المجاعة والقحط في المجتمع الذي لا يميل مع النظريات المنحرفة ولا شهوات الأمة و رغبات الأفراد، فإذا استعرضنا سياسة الإسلام في جميع العقوبات التي قررها وجدنا أنه لايلجأ إلا إلى حماية الجتمع من الفساد وحماية الأفراد من الظلم والجور والاعتداء لم يسبق اي نظام في العالم مثل النظام الإسلامي ولن يسبقه إلى الساعة. في ديننا شرعت عقوبة المرتد حفاظا للدين والإخلال الذي سيسود في المجتمع من هذا المرتد، أما عقوبة القصاص صيانة لأرواح الناس قوله تعالى ولكم في القصاص حياة ياأولى الألباب، أما عقوبة الزنا حفاظا على الأنساب أما عقوبة القذف حفاظا على الأعراض،  وكذلك عقوبة الشرب حفاظا على عقول الناس وكذلك عقوبة السرقة صيانة على أموال الناس.
الغاية من هذه العقوبات في الإسلام وهو إصلاح المجتمع وابتعاد أفراده عن هذه القيم الرذيلة التي لا تحمل للأمة إلا الشر في جميع العصور دون تفرقة بين العصور والشعوب والقبائل والبلدان. إن هذه العقوبات في ظاهرها نقمة وعذاب ولكن في باطنها رحمة ، إن الله لا يحتاج إلى تعذيب العباد، بل يعذب الله في هذه المواقف لمصلحة العباد وإنما قصد به إصلاح الناس ودفع الضرر عنهم.
المشرف : الدكتور على إحسان بالا – حفظه الله تعالى-
 الطالب : إنعام الحق عبد المنان
رقم القيد : 201103865
المادة : فلسفة التشريع



[1] مختار الصحاح للرازي(ع ق ب)
[2] عقوبة الإعدام لوائل لطفي رسالة الماجستير ص 21-23
[3] مقاصد الشريعة الإسلامية  لابن عاشور دار النفائس 

علاقة المسلمين بغيرهم من الكفار واليهود والنصارى / إنعام الحق عبدالمنان



علاقة المسلمين بغيرهم من الكفار واليهود والنصارى


بسم الله الرحمن الرحين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين و على آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين : قوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فرسالة الإسلام رسالة عالمية، أي يقطن و أختصة رسالة الرسول بالرحمة ، حتى
القول بأن علاقة المسلمين بغيرهم الأصل فيها هو علاقة حرب وقتال ومواجهة فقول مرجوح؛ لعدة أدلة:

منها: أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام –وهم القدوة لجميع المسلمين- أول ما بدأوا به هو دعوة قومهم إلى الإسلام، فلو كان الأصل هو القتال لبدءوا به؛ ولما لم يبدءوا به ولم يحملوا السلاح لقتالهم ابتداءً؛ تبين أن الأصل هو الدعوة إلى الهدى وبيان الحق.

ومنها: الآيات التي قيد الله فيها الأمر بقتال من قاتل في حال اعتدائهم وظلمهم للمسلمين كقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا، فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [سورة البقرة 190-193]، وقوله: 
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمي أهلها، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً” [سورة النساء 75]، وقوله :”أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله” [سورة الحج 39 – 40] .
منها: الآيات التي أباح الله فيها صلة وبر غير المسلمين الذين لم يقاتلونا كقوله تعالى : “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين” [سورة الممتحنة 8] .

ومنها: قوله تعالى : “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي ..” قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
جمهور السلف على أنها ليست بمنسوخة ولا مخصوصة، وإنما النص عام فلا نكره أحداً على الدين، والقتال لمن حاربنا، فإن أسلم عصم ماله ودينه، وإذا لم يكن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقدر أحد قط أن ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكره أحداً على الإسلام، لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من اسلم قبل منه ظاهر الإسلام.

ومنها: أن الأدلة من السنة التي تدل على هذا القول كثيرة منها :

1-قول النبي صلى الله عليه وسلم : “لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا” . حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو، وهذا يدل على أن حالة الحرب حالة طارئة، لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قامت أسبابها، وتوافرت دواعيها، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بسؤال الله العافية والسلامة، فإن قدر للمسلم لقاء عدوه فالمشروع حينئذ الصبر والثبات، وكل هذا يفيد أن الأصل في العلاقة مع الكفار السلم

2- حروب النبي صلى الله عليه وسلم التي خاضها ضد المشركين، [سبع وعشرون غزوة] كان المشركون فيها هم المعتدين أو المتسببين بأسباب مباشرة أو غير مباشرة، وهذا يؤكد أن الأصل مع غير المسلمين السلم لا الحرب، ولو كان الأصل معهم الحرب لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدؤهم بذلك والمتواتر من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يبدأ أحداً بالقتال.
3- رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، ودعوته لهم بالدخول إلى الإسلام، يدل على أن الأصل السلم، ولو كان الأصل الحرب لما أرسل إليهم رسائل، وإنما بعث إليهم جيوشاً للمحاربة.

ومنها الاستدلال بالإجماع، حيث نقل غير واحد من العلماء اتفاق المسلمين عملاً بالثابت من السنة، انه لا يجوز قتل النساء والصبيان – وزاد الحنفية والمالكية والحنابلة ـ: الرهبان والشيوخ، والعميان والزمنى والعجزة والأجراء والفلاحين في حرثهم، إلا إذا قاتلوا أو شاركوا برأي أو إمداد، فلو كان الأصل مع غير المسلمين الحرب ؛ ما ساغ استثناء هؤلاء، واستثناؤهم برهان على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفعاً لعدوانه.

قال شيخ الإسلام رحمه الله : الصواب أنهم لا يقاتلون، لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله فلا يباح قتلهم لمجرد الكفر
ومنها الاستدلال بالمعقول، ووجهه : أن وسائل الإكراه والقهر لا يمكن أن تنجح لفرض الدين في النفوس، لأن الدين أساسه القناعة، وهو شيء قلبي، واعتقاد داخلي، وما كان كذلك فطريقه الحجة والبرهان والإقناع لا القوة والقهر قال تعالى : “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” [سورة يونس 99] . وقال تعالى : “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي” [سورة البقرة 256].

قال ابن عباس رضي الله عنهما : “ما قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم – قوماً قط إلا دعاهم”.

قال الطبري : “أجمعت الحجة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهاره الدعوة، وإقامة الحجة
 واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم” [سورة التوبة 5]، وقوله : “واقتلوهم حيث ثقفتموهم” [سورة البقرة 193] والمراد بهؤلاء الذين أمر الله بقتالهم في هاتين الآيتين كفار مكة الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وأخرجوهم منها، لأنه قال بعد قوله :”واقتلوهم حيث ثقفتموهم” :”واخرجوهم من حيث أخرجوكم” فأمر الله بقتالهم أنى كانوا، لأنهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وأخرجوهم من ديارهم، ووقفوا في طريق دعوتهم للإسلام .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال تعالى : “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين” [سورة البقرة 190])(37) وقال أيضا: وأما النصارى فلم يقاتل أحداً منهم حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام …. فدخل في الإسلام من النصارى وغيرهم من دخل فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من قد أسلم، فالنصارى هم حاربوا المسلمين أولاً، وقتلوا من أسلم منهم بغياً وظلما فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل سرية أمَّر عليها زيد بن حارثة ثم جعفر ثم ابن رواحة، وهو أول قتال قاتله المسلمون للنصارى بمؤتة من أرض الشام ،واجتمع على أصحابه خلق كثير من النصارى، واستشهد الأمراء رضي الله عنهم.


د عبد الرحمن العقل : قسم غير المسلمين إلى ثلاث طبقات
الطبقة الأولى :  منهم من يعتنق ديننا، فهؤلاء إخواننا لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، قال تعالى : (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ))
الطبقة الثانية : ن لا يقبل الدخول في الإسلام، لكن لا يقف في طريق دعوته، ولا يقاتل من يدعو إليه، ويلقي إلينا السلم سواء كان من أهل العهد أو لم يكن فهؤلاء الأصل في حقهم المسالمة، ما لم يعتدوا بقول أو فعل، وعلى هؤلاء تحمل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم،حيث قوله تعالى:  وإن جنحوا للسلم فاجنح لها
الطبقة الثالثة : من يرفض الدخول في الإسلام، ويقف في طريق دعوته، أو ينقض عهداً مع المسلمين، أو يعتدي على أحد منهم بقول أو فعل، أو يخطط لذلك مستقبلاً، فهؤلاء الأصل في حقهم الحرب – وهي المرحلة التالية لدعوتهم إلى دين الإسلام – وعلى هؤلاء تحمل الآيات الواردة بقتال المشركين كقوله تعالى:”وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله” [سورة البقرة 193]، وقوله : “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .
وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة” [سورة التوبة 36 ] فهذا من طريق المقابلة الجماعية أمام تكتل المشركين الجماعي وهو أمر لكافة المسلمين المُقاتلين بمحاربة كافة المشركين المقاتلين.

قال ابن كثير رحمه الله على هذه الآية : كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضاً لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير ما يفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم.

لأن جهاد غير المسلمين مرتبط بشروط شرعها الشارع الكريم وأحاطها بضوابط؛ فليس هو كلأ مباح لكل من أراد قتالهم أن يقاتلهم.

وبعد: فإنه غني عن القول بأن ما ينشره بعض الكتاب من الغلاة بأن غير المسلمين يجب قتلهم أينما كانوا؛ قول بعيد كل البعد عن مقصد الرسالة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ ولتخرجهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ولا يمكن تحقيق ذلك إذا كان القتل هو لسان أؤلئك.

القتال في الإسلام نوعان : القتال الهجومي ، فهذا يتوقف على أمر الأمير، والثاني : القتال الدفاعي، فهو واجب في كل وقت
وادعى في البحر الاجماع وجوب دعوة من لم تبلغه دعوة الإسلام



إنعام الحق عبد المنان